ابن يعقوب المغربي
152
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
كلفوا بحمل التوراة علما وعملا ، ثم لم يحملوها لأنهم وإن وقع منهم حملها بدعوى الإيمان بها والعمل ببعضها لكن لما لم يعملوا بجميع ما فيها صار حملهم كالعدم ؛ ولذلك يقال في تفسير لم يحملوها أي : لم يعملوا بما فيها ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) أي : يحمل كتبا ، فالأسفار جمع سفر بكسر السين وسكون الفاء ، وهو الكتاب لا جمع سفر بفتح السين والفاء ، فليس المعنى يتحمل مشاق السفر ، والمثل يطلق على القصة ، وقد يطلق على الصفة ، فعلى الأول يكون من تشبيه القصة بالقصة ، وعلى الثاني يكون من تشبيه صفة مركبة بأخرى مثلها في التركيب ، ففي قصة الحمار المرادة هنا أو صفته المركبة كونه له فعل مخصوص هو الحمل ، وكون المحمول أوعية العلم ، وكون الحمار جاهلا بما فيها أي : ليس عالما بما فيها ، وإلا فالجهل مخصوص بذوات العقل ، ويلزم من عدم علمه عدم انتفاعه . ومثل هذا في قصة أو في صفة اليهود فإنه روعى في قصتهم أو في صفتهم أنهم فعلوا فعلا مخصوصا هو الحمل المعنوي ، وكون المحمول أوعية العلم ، وكونهم جاهلين أي : غير عالمين بما فيها علما نافعا ، وقد علم أن الطرفين إذا كان فيهما تركيب جاء وجه الشبه مركبا مرعيا فيه ما يشير إلى ما اعتبر في الطرفين فأخذ من الطرفين هنا ما يجمع بينهما ، وتحمل اليهود لما كان معنويا ، واعتبر في حمل الحمار الحمل الفعلي وجب أن يكون وجه الشبه معنويا جامعا للطرفين ، فأخذ حرمان الانتفاع الذي اشترك فيه الطرفان لاقتضاء عدم العلم وجوده فيهما ، وكون ما حرم الانتفاع به أبلغ نافع لاقتضاء وجوده فيهما كون المحمول فيهما أوعية العلم التي هي أولى ما ينتفع به ، وكون من حرم الانتفاع تحمل التعب في الاستصحاب لما حرم الانتفاع به لاقتضاء وجوده فيهما كون المحمول غير خفيف التحمل فيهما ، ويجب أن يؤخذ التعب عقليا بمعنى مطلق المشقة على القوة الحيوانية الصادقة بالمحسوسة كما في مشقة الحمار ، والمعقولة أو مع المحسوسة كما في مشقة اليهود ، فالطرفان إن اعتبر كونهما صفتين أو قصتين لم يخلوا عن اعتبار العقلية فيهما كما أشرنا إليه ، ويمكن أن يراد بالطرفين الحمار واليهود موصوفا كل منهما بصفته المخصوصة فيمكن حينئذ أن يدعى حسية الطرفين معا ، ويكون ذكر المثل للتأكيد في التشبيه ، ولا يخلو هذا التقدير عن بعد وتكلف ، وإذا